|
تمهيد :-
لقد أخذ
الصراع العربي- الصهيوني منذ بدايته صراعاً على الأرض والسكان،
وكان وما يزال الهدف الأساس للحركة الصهيونية أولاً، و"إسرائيل"
لاحقاً، هو الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من أرض فلسطين
واستعمارها بأكبر عدد ممكن من المستوطنين اليهود القادمين في
موجات متلاحقة من المهاجرين، بل إن المقياس الأهم لرصد مدى نجاح
الصهيونية في مشروعها الاستعماري في فلسطين يتلخص في نسبة
الأراضي التي استولت عليها منذ بداية نشاطها، ومدى قدرتها على
اجتذاب المهاجرين اليهود ونجاحها في استيعابهم وتوطينهم في
فلسطين، وعلى هذا الأساس فإن العاملان الجغرافي (الأرض)
والديموغرافي (المهاجرون) يبقيان لهما الكلمة الأخيرة في الصراع
الذي تخوضه الصهيونية في فلسطين، وما الممارسات الإسرائيلية على
الأرض متمثلة في تهجير الفلسطينيين تهجيراً قسرياً من قراهم
ومدنهم وانتزاع الأرض من أصحابها الأصليين والسيطرة عليها
بكافة الوسائل والطرق، حيث لم يستطيع اليهود إعلان دولتهم إلا
بعد أن اكتمل العدد الكافي من المهاجرين إلى فلسطين ومن هنا بدأ
الصراع يظهر على الأرض وأخذ في نهايته شكل الصراع الجغرافي
والديموغرافي.
تعتبر
الدراسات والأبحاث التي تتناول الحراك الديموغرافى للشعب
الفلسطيني من أهم الدراسات نظراً للواقع الديموغرافي الذي ارتبط
بالواقع السياسي الذي تعرض فيه الشعب الفلسطيني للإبادة والتهجير
وتبعاً للأطماع اليهودية في فلسطين، والتي تركزت أساساً في
المحاولات الحثيثة لخلق وجود يهودي قسري فيها، وتبعاً لذلك شهد
التطور الديموغرافي والاجتماعي للشعب الفلسطيني اتجاهات غير
طبيعية، حيث كان لعامل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وطرد العرب
أصحاب الأرض الأصليين من وطنهم أثراً مباشراً في تلك التطورات.
فعندما صدر
وعد بلفور عام 1917 وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني من عام
1918 حتى عام 1948 حيث تم تقديم التسهيلات اللازمة لإقامة وطن
قومي لليهود في فلسطين وبدأ اليهود بالتدفق بالآلاف وارتفع عددهم
من حوالي عشرة آلاف شخص في منتصف القرن التاسع عشر إلى ما يقرب
من 62.5 ألف شخص عند بداية الانتداب البريطاني، وإلى ما يقرب من
ستمائة وخمسين ألف شخص عند نهاية الانتداب المذكور عام 1948
وبذلك ارتفعت نسبة اليهود إلى مجموع عدد السكان في فلسطين من
8.3% عام 1919 إلى 31.5% في 15 أيار (مايو) عام 1948.
بدايات
التغيير الجغرافي والديموغرافي:-
لقد كان أول
تقدير لعدد سكان فلسطين في القرن العشرين في فترة الحكم
العثماني، حيث أعلن في عام 1914 وهي السنة التي نشبت فيها الحرب
العالمية الأولى. وقدر عدد سكان فلسطين هو 689.275 نسمة منهم 8%
من اليهود. وبعد خضوع فلسطين للانتداب البريطاني أصبح عدد سكان
فلسطين حسب التقدير الرسمي 673.000 منهم 521.000 من المسلمين
و67.000 من اليهود و78.000 من المسيحيين و7000 من المذاهب الأخرى
([i])، وقد نجم عن نكبة فلسطين أن قسمت فلسطين إلى ثلاثة مناطق
جغرافية :-
1.
الأراضي التي احتلها اليهود بعد حرب
عام 1948 وقد شغلت 76.7 % من مساحة فلسطين.
2.الضفة
الغربية وتشغل 22 % من مساحة فلسطين.
3.قطاع
غزة و يشغل 1.3 % من مساحة فلسطين.
ولم يكتفي
العدو الصهيوني بأن تبقى رقعة دولتهم على أراضي 1948 (خريطة
رقم1)، وإنما قاموا بالعدوان على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة
في العام 1967 وقاموا باحتلالها وبذلك أصبحت فلسطين جميعها تحت
السيطرة اليهودية وعلى أثر هذا العدوان الجديد نزح العديد من
سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وانخفض عدد السكان في الضفة
الغربية إلى 581.700 نسمة، كما انخفض عدد السكان في قطاع غزة إلى
937.6 ألف نسمة، بينما كان عددهم قبل العام 1967 مباشرة في حدود
مليون وأربعين ألف نسمة ([ii]).
وللوقوف على
صورة المتغيرات الديموغرافية ومدى أثر الهجرة عليها، نرى أن
المجموع الكلي لعدد السكان في فلسطين عام 1986 (جميع الديانات)
قد بلغ 5.6 مليون نسمة منهم 3.5 مليون نسمة من اليهود أي ما
نسبته حوالي 63% من المجموع الكلي، والباقي من الفلسطينيين أي ما
نسبته 37% من المجموع الكلي، يقيم منهم في الضفة الغربية وقطاع
غزة حوالي 26% من إجمالي سكان فلسطين بينما يقيم الباقي داخل
دولة "إسرائيل" حيث بلغت نسبتهم 11% من إجمالي الفلسطينيين على
أرض فلسطين التاريخية( [iii]).
ومع حلول
عام 1998 بلغ المجموع الكلي لعدد السكان على أرض فلسطين
التاريخية 8.09 مليون نسمة منهم 5.50 مليون نسمة من سكان دولة
الاغتصاب الصهيوني أي ما نسبته حوالي 67.9% منهم حوالي 17% من
الفلسطينيين أو ما يطلق عليهم فلسطينيو الداخل (48)، والباقي من
الفلسطينيين أي ما نسبته 32.1% من المجموع الكلي يقيم منهم في
الضفة الغربية 1.596.442 نسمة في قطاع غزة 1.000.175 مليون نسمة
في قطاع غزة ([iv]) ، وخلال الإحدى عشر عام الماضية استطاعت
"إسرائيل" المحافظة على الميزان الديموغرافي لصالحها على الرغم
من ارتفاع نسبة النمو السكاني في الجانب الفلسطيني، ويرجع ذلك
إلى موجات الهجرة في هذه السنوات.
ملامح التغيير الجغرافي والديموغرافي:-
إن عملية
التمييز بين الاستيطان اليهودي وحركة الاستعمار الاستيطاني
الصهيوني يفرضه تحليل العوامل المختلفة، التي مكنت اليهود من
الهجرة إلى فلسطين وإقامة المستوطنات ونشوء نوع من التعايش بينهم
وبين سكان البلاد الأصليين من العرب في مرحلة الانتداب
البريطاني، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها تاريخ العلاقات الحسنة
بين العرب واليهود الذي يخلو من الاضطهاد والتعصب، وعدم وجود
أهداف سياسية للاستيطان اليهودي في مرحلته الأولى قبل عام 1897،
فقد كان جزءاً من حركة الهجرات اليهودية التي خرجت من دول أوروبا
الشرقية وشملت مختلف بلاد العالم ([v]).
فلم يكن
لليهود أي علاقة بأرض فلسطين إلا علاقة الترحال والتنقل، حيث لا
يوجد أي سند تاريخي يؤكد أن هذه الأرض كانت ذات هيمنة يهودية في
فترات زمنية طويلة، وإنما كانت هناك باستمرار أحداث مرتبطة
باليهود وقعت في هذه الأرض ومن خلال التوراة، نجد أن العبرانيين
الأوائل هاجروا إلى أرض كنعان ولم يستقروا في مكان واحد ([vi]).
لقد بدأ
التغلغل اليهودي في فلسطين والعمل على شراء الأراضي في ظل
الحماية الامتيازات الأجنبية، إلا أن البدايات الأولى لشراء
اليهود أراضي في فلسطين كانت في عام 1855 على يد السير (موشي
مونتفيوري) زمن السلطان عبد المجيد (1839-1861) ، حيث أصدر
السلطان فرماناً سمح بموجبة لمنتفيوري بشراء أرض في فلسطين،
فاشترى أرضاً بالقرب من القدس وقد أقيم عليها فيما بعد الحي
اليهودي المعروف بحي مونتفيوري، وفي عام 1870 أنشأت جمعية
الأليانس الإسرائيلية مستوطنة (مكفية إسرائيل) على مساحة من
الأرض قدرت بحوالي 2600 دونم استأجرت من الحكومة العثمانية لمدة
99 سنة من أراضي قرية يازور القريبة من مدينة يافا لصالح وزير
العدل الفرنسي (كريمو شاولنرنتر)، ومنذ عام 1870 حتى العام 1914
امتلك اليهود 420,600 دونم اشتريت من غير عرب فلسطين([vii]).
ونظراً
لطبيعة الحال خلال الفترة الأخيرة للحكم العثماني فقد سعت
المنظمات الصهيونية المنبثقة عن الحركة الصهيونية، مثل الصندوق
القومي اليهودي، والمصرف اليهودي للمستعمرات وشركة تطوير أراضي
فلسطين، فقد عملت جميعها جاهدة لتمويل التسلل اليهودي إلى فلسطين
عبر هجرات مكثفة، أما بالنسبة لمجموعات الهجرة اليهودية إلى
فلسطين من سنة 1882 حتى 1948 فيذكر السير (موشي مونتفيوري) أن
عدد اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين عند زيارتهم لها في
العام 1839 قدر بحوالي ستة آلاف نسمة معظمهم من أصل أسباني،
مقابل ما يقرب من 300 ألف عربي أي نسبة اليهود لم تتعد 2% من
مجموع سكان فلسطين([viii]).
وبالنسبة
لسكان فلسطين، إبان فترة الاحتلال العثماني لها، فأن المعلومات
الإحصائية المتوافرة عن سكان فلسطين خلال الفترة (1542-1916)
قليلة ونادرة، ونتج ذلك بسبب اهتمام السلطات العثمانية
بالإحصاءات كان ينحصر في خدمة أغراض التجنيد فقط، فهي لم تكن
تبوب البيانات التي تجمعها في جداول منظمة، كما أنها غالباً لم
تكن تنشرها، غير أنها قامت في عام 1914 بإجراء حصر للسكان، استمر
العمل به لعدة شهور وأسفر عن تقدير مجموع لسكان فلسطين في ذلك
العام بحوالي (689) ألفاً، ولكن لم تنشر بيانات تفصيلية عن
توزيعاتهم وخصائصهم السكانية. وإذا اعتمدنا الرقم (40) ألف يهودي
كانوا يقيمون في فلسطين في عام 1914، بناءً على ما أشرنا إليه في
مكان آخر من دراستنا، فإن نسبة اليهود من إجمالي سكان فلسطين في
العام المذكور لا تتعدى (5,8) في المائة من إجمالي السكان المقدر
من قبل السلطات العثمانية، والملاحظ أن زخم الهجرة اليهودية لم
يكن كبيراً إلى فلسطين في فترة الاحتلال العثماني خاصة بعد
انطلاقة الحركة الصهيونية بشكل رسمي ومنظم بعد مؤتمر بال في
نهاية آب 1897، وبالتالي لم يكن للتسلل اليهودي دوراً مؤثراً
بشكل نوعي على اتجاهات النمو السكاني في فلسطين، بَيْدَ أن فترة
الانتداب البريطاني كانت ذهبية للحركة الصهيونية لتحقيق شعاراتها
الاستراتيجية في فلسطين، والجدول رقم (1) يوضح التطور الزمني
لأعداد سكان فلسطين حسب الديانة من عام 1922-1948 ([ix]).
جدول رقم (1) تطور عدد سكان فلسطين حسب
الديانة 1922-1948 ([x])
|
السنة |
جميع الديانات |
مسلمون |
مسيحيون |
آخرون |
مجموع العرب |
% |
اليهود |
% |
|
1922 |
752048 |
589177 |
71464 |
7617 |
668258 |
88.8 |
83790 |
11.2 |
|
1925 |
847238 |
641494 |
75512 |
8507 |
725513 |
85.6 |
120725 |
14.4 |
|
1928 |
935951 |
695280 |
79812 |
9203 |
784295 |
83.8 |
151656 |
16.2 |
|
1931 |
1033314 |
759700 |
88907 |
10101 |
858708 |
83.1 |
174106 |
16.9 |
|
1935 |
1308112 |
836688 |
105236 |
11031 |
952955 |
72.8 |
355157 |
27.2 |
|
1940 |
1544530 |
947846 |
120587 |
12562 |
1080995 |
69.9 |
463535 |
30.1 |
|
1945 |
1834935 |
1101565 |
101285 |
14858 |
1255708 |
68.4 |
579227 |
31.6 |
|
1948 |
2158400 |
1343900 |
148100 |
16400 |
1508400 |
69.8 |
650000 |
30.2 |
مجموعة من
الباحثين الفلسطينيون في الوطن العربي، معهد البحوث والدراسات
العربية، القاهرة، 1978 ص50 (النسب من حساب الباحث)
من خلال
الجدول السابق يتضح صورة الواقع الديموغرافي الفلسطيني ومدى
التحول الذي أصاب المجموعات السكانية، فقد مثل الفلسطينيون ما
نسبته 88.8% من إجمالي سكان فلسطين وذلك في العام 1922 في حين لم
تصل نسبة اليهود إلا 11.2% من إجمالي السكان، وظلت نسبة
الفلسطينيين في تناقص مستمر حتى وصلت نسبتهم من إجمالي السكان
حوالي 69.8% عشية إعلان دولة الاغتصاب الصهيوني، وارتفعت نسبة
اليهود إلى حوالي 30.2% من إجمالي السكان في نفس العام، وترجع
الزيادة الكبيرة في نسبة اليهود إلى موجات الهجرة التي تركزت في
السنوات التي سبقت إعلان دولة اليهود على أرض فلسطين والجدول رقم
(2) يوضح موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين قبل انتشاء الدولة
اليهودية.
جدول (2) موجات الهجرة اليهودية إلى
فلسطين قبل انتشاء الدولة اليهودية ([xi])
|
الموجة |
الفترة |
عدد المهاجرين |
جهة القدوم |
|
الموجة الأولى |
1880-1903 |
25000 |
من روسيا وبولندا ورومانيا |
|
الموجة الثانية |
1904-1914 |
34000 |
من روسيا وشرق أوروبا |
|
الموجة الثالثة |
1919 –1923 |
35100 |
من مناطق بحر البلطيق وروسيا وبولندا |
|
الموجة الرابعة |
1924-1931 |
78898 |
بولندا رومانيا الشرق الأوسط |
|
الموجة الخامسة |
1932-1939 |
224784 |
ألمانيا أوروبا الغربية بولندا |
|
الموجه السادسة |
1940-1948 |
118300 |
وسط أوروبا البلقان بولندا الشرق
الأوسط |
نبيل
السهلي، التحولات الديموغرافية للشعب الفلسطيني، صامد الاقتصادي،
عمان العدد 120، ص103.
من خلال
الجدول السابق يتضح مدى دور الهجرة اليهودية إلى فلسطين في تحول
الميزان الديموغرافي لصالح اليهود، حيث بدأت أفواج الهجرة من
العام 1880 حيث بلغ حجم المهاجرين اليهود إلى فلسطين في الموجه
الأولى في الفترة ما بين 1880-1903 حوالي 25000 مهاجر يهودي،
والجدير بالذكر أن حياة اليهود في فلسطين في تلك الفترة كانت
تعكس ظلالاً قاتمة إذ كان لا يذهب إليها من اليهود إلا كبار
السن، الذين يرغبون في قضاء آخر أيامهم في القدس وخير وصف
لحياتهم تلك ما جاء على لسان القنصل الأمريكي في القدس عام 1878
إذ يقول: ((ويهود القدس خاصة فقراء كسالى، ضعاف العقول والأجسام،
ويبدوا أن القدس محطة يتلاقى فيها اليهود المتعصبون المشوهون
والعجائز، ليعيشوا هنا على الشحاذة والإحسان، وليقضوا بقية العمر
ينوحون أمام حائط المبكى)) ([xii])، وارتفع عدد المهاجرين اليهود
إلى فلسطين ليصل إلى 34 ألف مهاجر في الفترة 1904-1914 وقد كانت
الفترة التي سبقت إعلان الدولة 1932-1939 التي شهدت أكبر موجة
هجرة إلى فلسطين (شكل رقم 2)، حيث وصل أكثر من 224 ألف مهاجر،
وترجع أسباب تدفق هذا العدد من المهاجرين إلى:
أولاً: ظهور
الحركة النازية في ألمانيا وتزايد اضطهاد اليهود، وقد كشف بعض
الكتاب اليهود من أمثال (ألفرد ليلينتال) على أن الصهاينة اتصلوا
بالنازيين وشجعوهم على هذه السياسية حتى يبرروا إقامة الدولة
وليس هذا بمستغرب على الصهيونية، حيث اشتركت في عمليات الاضطهاد
بألمانيا بعد الحرب لاضطرار اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين.
ثانياً:
أثرت الأزمات الاقتصادية في أوروبا على هجرة كثير من اليهود إلى
فلسطين،كما أدت الأحوال الاقتصادية في أمريكا إلى التشدد في
تطبيق القيود المفروضة |